ماذا وجد العلماء في أعماق الفضاء؟ أوضح صورة للكون المظلم
في إنجاز علمي مذهل أعاد صياغة فهمنا للقوانين التي تحكم الوجود، كشف المجتمع الفلكي الدولي عن أوضح صورة للكون المظلم ، وهي النتيجة النهائية لتحليل بيانات استمر ست سنوات كاملة. هذا الاختراق لا يقتصر فقط على الجمال البصري لمليارات السدم والمجرات، بل يغوص في أعماق “طاقة الظلام” (Dark Energy)، تلك القوة الغامضة التي تمثل المحرك الخفي لتوسع الكون المتسارع، والتي ظلت لسنوات طويلة اللغز الأكبر في الفيزياء الحديثة.
أوضح صورة للكون المظلم
لا يقصد بـ “الصورة” هنا لقطة فوتوغرافية تقليدية، بل هي خريطة تفاعلية معقدة رباعية الأبعاد (المكان والزمان). تم من خلالها تحليل الضوء القادم من 669 مليون مجرة، تمتد لمسافات تصل إلى مليارات السنوات الضوئية. هذه الخريطة كشفت عن “الخيوط الكونية” التي تربط المادة، وأظهرت الفراغات الشاسعة التي تنمو بفعل طاقة الظلام، مما يوفر لنا الدليل الحسي الأقوى حتى الآن على بنية الكون غير المرئية.
رحلة الـ 758 ليلة: خلف كواليس مشروع مسح الطاقة المظلمة (DES)
بدأت القصة بين عامي 2013 و2019، حيث كرس الفلكيون 758 ليلة رصد كاملة لمسح مساحات شاسعة من السماء الجنوبية. باستخدام كاميرا بدقة 570 ميجابكسل، تمكن العلماء من التقاط تفاصيل دقيقة لمجرات تبعد عنا مسافات لا يمكن تصورها. الهدف كان بسيطاً في صياغته، معقداً في تنفيذه: رسم خريطة لتوزيع المادة في الكون عبر الزمن للتعرف على أثر أوضح صورة للكون المظلم وتأثيرها على نمو الهياكل الكونية.
هذا المشروع، الذي عرف اختصاراً بـ (DES)، لم يعتمد على الرؤية البصرية فقط، بل استخدم تقنيات متطورة مثل “العدسة الجاذبية الضعيفة”، حيث يتم مراقبة انحراف الضوء القادم من المجرات البعيدة بفعل كتلة المادة المظلمة الموجودة في طريقه. هذا الانحراف، رغم ضآلته، سمح برسم خريطة للكتلة غير المرئية، مما أدى في النهاية إلى ظهور أوضح صورة للكون المظلم .
669 مليون
مجرة تم مسحها وتصنيفها بدقة فائقة
570 ميجابكسل
دقة كاميرا DECam المستخدمة في الرصد
68%
نسبة طاقة الظلام من إجمالي كتلة وطاقة الكون
دمج 4 طرق رصد: الوصفة السرية لفك شيفرة الكون
لأول مرة في تاريخ علم الفلك، تم دمج أربع طرق رصدية مختلفة في دراسة واحدة لتقديم أوضح صورة للكون المظلم. هذا الدمج هو ما منح النتائج مصداقية غير مسبوقة وقلل من هوامش الخطأ التقديرية. الطرق الأربع هي:
- المستعرات العظمى (Ia): استخدمت كـ “شموع قياسية” لقياس المسافات الكونية بدقة.
- العدسات الجاذبية الضعيفة: لرصد توزيع المادة المظلمة غير المرئية.
- تجمع المجرات: لدراسة كيفية ترابط المجرات في نسيج كوني واحد.
- تذبذبات باريون الصوتية (BAO): وهي “مسطرة” كونية ناتجة عن موجات صوتية في الكون المبكر.
إن تضافر هذه الأدوات مكن الباحثين من إعادة بناء تاريخ الكون على مدى 6 مليارات سنة مضت. النتائج أكدت أن الطاقة المظلمة لم تكن دائماً هي المسيطرة؛ ففي البداية كانت الجاذبية هي الغالبة، مما سمح للمجرات بالتشكل، ولكن قبل حوالي 4 مليارات سنة، بدأت طاقة الظلام تتفوق، لتبدأ مرحلة التوسع المتسارع الذي نعيشه اليوم، وهو ما تظهره بوضوح أوضح صورة للكون المظلم.
مقارنة بين مكونات الكون (المادة والظلام)
| المكون | النسبة المئوية | الدور الأساسي | القوة المرتبطة |
|---|---|---|---|
| طاقة الظلام | 68% | توسيع الكون وتسارعه | قوة التنافر الكوني |
| المادة المظلمة | 27% | الحفاظ على تماسك المجرات | الجاذبية الخفية |
| المادة العادية (نحن والنجوم) | 5% | بناء النجوم والكواكب والحياة | الجاذبية المرئية |
لغز تجميع المادة: هل النموذج القياسي للكون في خطر؟
رغم أن أوضح صورة للكون المظلم على الإطلاق توافقت بشكل كبير مع النموذج القياسي للكون (ΛCDM)، إلا أنها كشفت عن فجوة محيرة تثير قلق علماء الفيزياء. تشير النتائج إلى أن المادة في الكون الحديث لا تتجمع بالكثافة التي تتنبأ بها النماذج الرياضية بناءً على معطيات الكون المبكر.
هذا الاختلاف، الذي أصبح أكثر وضوحاً في تحليلات عام 2026، يشير إلى احتمال وجود “فيزياء جديدة” لا نعرفها بعد، أو ربما تعديل في فهمنا لقوة الجاذبية على المسافات الكونية الشاسعة. إن أوضح صورة للكون المظلم لا تقدم إجابات فحسب، بل تفتح أبواباً لأسئلة أعمق حول طبيعة الجاذبية وما إذا كانت تتصرف بشكل مختلف عبر العصور الكونية المختلفة.
مستقبل الرصد: من تلسكوب بلانكو إلى فيرا روبين
العلماء لا يتوقفون عند هذا الحد؛ فبينما نحتفل بصدور أوضح صورة للكون المظلم، تتجه الأنظار نحو تلسكوب “فيرا روبين” الجديد. هذا المرصد العملاق سيبدأ في دمج بياناته مع نتائج مشروع (DES)، حيث من المتوقع أن يراقب نحو 20 مليار مجرة جديدة.
إن القفزة من 669 مليون مجرة إلى 20 ملياراً تعني أننا على أعتاب عصر ذهبي جديد للفلك. تلسكوب فيرا روبين، عبر مشروع “مسح الإرث للفضاء والزمن” (LSST)، سيحول أوضح صورة للكون المظلم من خارطة ثابتة إلى “فيلم سينمائي” يصور تطور الكون لحظة بلحظة، مما قد يكشف لنا أخيراً عما إذا كانت طاقة الظلام ثابتة في الزمان والمكان أم أنها تتغير بشكل قد يحدد مصير الكون النهائي.
الأسئلة الشائعة حول أوضح صورة للكون المظلم
ما هي الطاقة المظلمة وكيف تختلف عن المادة المظلمة؟
الطاقة المظلمة هي قوة طاردة تسبب تسارع توسع الكون، بينما المادة المظلمة هي مادة غير مرئية توفر الجاذبية اللازمة لتماسك المجرات ومنع تفككها.
كيف تمكن العلماء من تصوير شيء “مظلم”؟
لا يتم تصوير المادة المظلمة مباشرة، بل يتم رصد تأثير جاذبيتها على الضوء القادم من المجرات البعيدة خلفها (العدسة الجاذبية)، وهو ما سمح برسم أوضح صورة للكون المظلم.
لماذا يعد مشروع مسح الطاقة المظلمة (DES) مهماً؟
لأنه قدم الخريطة الأكثر دقة وتفصيلاً لتطور الكون عبر 6 مليارات سنة، وجمع لأول مرة بين 4 طرق رصدية مختلفة لضمان دقة النتائج.
هل سيتم تحديث هذه الصورة قريباً؟
نعم، مع بدء عمل تلسكوب فيرا روبين وتحليل بيانات 20 مليار مجرة إضافية، ستصبح الصورة أكثر عمقاً وشمولية في السنوات القليلة القادمة.
الخلاصة: رؤية جديدة لمستقبل البشرية بين النجوم
في الختام، إن الوصول إلى أوضح صورة للكون المظلم يمثل انتصاراً للعقل البشري وقدرته على استنتاج الحقائق من أضواء باهتة سافرت لمليارات السنين لتصل إلينا. نحن الآن لا نفهم فقط من أين أتينا، بل بدأنا ندرك القوى العظيمة التي ستحدد نهاية كوننا. سواء كان المصير هو “التجمد العظيم” أو “التمزق الكبير”، فإن هذه الصور والبيانات هي بوصلتنا في رحلة البحث عن المعنى وسط هذا الفضاء الشاسع والمظلم.




